فوزي آل سيف

78

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

« يعلم خائنة الأعين » فقال: ألم تر إلى الرجل ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه فذلك خائنة الأعين[164].. حرمة خائنة الأعين على النبي ولقد كان من مختصات رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه لم يكن يجوز له خائنة الأعين، حتى فيما هو جائز ولم يصدر منه فعل في هذا حتى أنه عندما جاء إليه عثمان بن عفان بابن ابي سرح وقد كان ممن يستحق القتل، وقد أهدر النبي دمه بناء على جرائم ارتكبها. فجلس النبي هكذا، والمسلمون أيضًا جالسون. إلى أن قام ذاك وخرج. فقالوا: يا رسول الله، لماذا لم تشر علينا حتى نُجهِز عليه؟! فقال: "إِنَّ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ حَرَامٌ عَلَيَّ"[165]. ومع هذا الاحتياط من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله، وبالتوجه إلى ما جاء في القرآن الكريم، من تثريب الخائنين، وإعراض الله عنهم فإننا نتعجب مما جاء في بعض مصادر التفسير للآية المباركة: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)[166]. من تطبيقها على رسول الله[167]!! وأنه هو الذي كان يخاصم عن الخائنين ويدافع عنهم! وفي هذا ما يسيء إلى النبي بشكل واضح! بينما الصحيح هو أن المخاطب وإن كان بظاهره النبي إلا أن المقصود هو تلك الفئة التي كانت تناصر الخائنين وتحاول أن تجعل الحق معهم، وليست هذه الآيات هي الأولى التي تخاطب النبي ظاهرًا، والأمة ـ كلها ـ أو بعض أقسامها واقعًا.. مثل قوله (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ). وقد ورد في روايات أهل البيت أن القرآن جاء في كثير منه على طريقة إياك أعني واسمعي يا جارة[168]. وقد اختلفت الروايات في نقل القصة اختلافًا كبيرًا[169]، وفي نقلها تدخلت الأمور العقدية ومنها نسبة أن النبي هم بمعاقبة متهم بريء لا لشيء إلا لأنه يهودي! وأن المدعي عليه هو من المسلمين! وأنه كان له في ذلك هوى! كما نقلنا آنفا عن أسباب النزول للواحدي.

--> 164 الصدوق؛ الشيخ محمد بن علي بن بابويه : معاني الأخبار 1 / 147 165 الألباني؛ محمد ناصر: صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم ٤٣٥٩ (وقد صححه المؤلف):.. لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله ابن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله فقالوا ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك قال إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين... 166 ) النساء: 105 167 وقد رأى البعض منهم كما في تفسيرالبيان 7/ 457 لابن جرير الطبري أنه وقَدْ قِيلَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ خاصَمَ عَنِ الخائِنِ، ولَكِنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِمّا هَمَّ بِهِ مِن ذَلِكَ، ومثله قاله الواحدي في أسباب النزول (فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ، وَكَانَ هَوَاهُ مَعَهُمْ وَأَنْ يُعَاقِبَ الْيَهُودِيَّ) مع براءة اليهودي!! وكذلك ما قاله الزركشي في البرهان 4/ 340 قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ للخائنين خصيما﴾ أيْ لا تُخاصِمِ النّاسَ لِأجْلِ الخائِنِينَ! نعم ذهب المحققون من مفسريهم إلى خلاف ذلك وهو الصحيح، مثلما قال القرطبي في تفسيره 5/ 377:.. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ دُونَهُ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما- أنَّهُ تَعالى أبانَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: (ها أنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا). والآخَرُ- أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ حَكَمًا فِيما بَيْنَهُمْ، ولِذَلِكَ كانَ يُعْتَذَرُ إلَيْهِ ولا يَعْتَذِرُ هُوَ إلى غَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ القَصْدَ لغيره.. وأشار فيما بعد أن هناك من جوز الصغائر على الأنبياء فيكون هذا منها!.. 168 الكليني؛ محمد بن يعقوب: الكافي ط الاسلامية 2 / 631 عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة. وفي رواية أخرى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: معناه ما عاتب الله عز وجل به على نبيه (صلى الله عليه وآله). فهو يعني به ما قد مضى في القرآن مثل قوله: " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا.. " عنى بذلك غيره. 169 منها ما أورده في أسباب النزول، وقد ذكرنا الملاحظة عليه: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ أَحَدُ بَنِي ظَفَرِ بْنِ الْحَارِثِ سَرَقَ دِرْعًا مِنْ جَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَتِ الدِّرْعُ فِي جِرَابٍ فِيهِ دَقِيقٌ، فَجَعَلَ الدَّقِيقُ يَنْتَثِرُ مِنْ خَرْقٍ فِي الْجِرَابِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الدَّارِ وَفِيهَا أَثَرُ الدَّقِيقِ، ثُمَّ خَبَّأَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، فَالْتُمِسَتِ الدِّرْعُ عِنْدَ طُعْمَةَ فَلَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ وَحَلَفَ لَهُمْ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَهَا وَمَا لَهُ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، فَقَالَ أَصْحَابُ الدِّرْعِ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ أَدْلَجَ عَلَيْنَا فَأَخَذَهَا وَطَلَبْنَا أَثَرَهُ حَتَّى دَخَلَ دَارَهُ، فَرَأَيْنَا أَثَرَ الدَّقِيقِ. فَلَمَّا أَنْ حَلَفَ تَرَكُوهُ وَاتَّبَعُوا أَثَرَ الدَّقِيقِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَنْزِلِ الْيَهُودِيِّ فَأَخَذُوهُ، فَقَالَ: دَفَعَهَا إِلَيَّ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، وَشَهِدَ لَهُ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَتْ بَنُو ظَفَرٍ وَهُمْ قَوْمُ طُعْمَةَ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمُوهُ في ذلك، فسألوه أَنْ يُجَادِلَ عَنْ صَاحِبِهِمْ، وَقَالُوا: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ هَلَكَ صَاحِبُنَا وَافْتُضِحَ وَبَرِئَ الْيَهُودِيُّ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ، وَكَانَ هَوَاهُ مَعَهُمْ وَأَنْ يُعَاقِبَ الْيَهُودِيَّ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} الْآيَةَ كُلَّهَا، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.